الجمعة، 24 أبريل، 2009

بقلم نبيل فياض - صحوة أو صحوة موت

صحوة أو صحوة موت ....

بقلم المبدع نبيل فيّاض




في أوساط الإسلاميين، تستعمر العقول « فوبيا » من النوع الأخطر، لا تستثني قائداً ولا مقاداً، تحمل عنواناً مبرقشاً: الصحوة الاسلاميّة !


ولأن هذا المصطلح متداول في تلك الأوساط أكثر من تداول القمع، لا حاجة بنا لتقديم مقاربات تفسيريّة له.

- مع ذلك، فاعتقادنا الراسخ الذي لا سبيل إلى دحضه بحجّة دامغة هو أنّ هذه الصحوة هي صحوة «موت»!

فهذا المريض المبتلى بمجمل ضروب الآفات المزمنة المهلكة، والذي صحا فجأة (!!!) مع ضخّ نفط ودولارات وإرهاب في عروقه، لا يمكن للزمن إلاّ أن يقضي عليه .


مشكلة المسلمين انحباسهم في زنزانات تفاسيرهم الخاصّة لنصوصهم المقدّسة: فهم لا يستطيعون حملها والدخول بها إلى عالم الحضارة، ولا يستطيعون رميها خوفاً على ذواتهم من التعرية التراثية. والحقيقة أننا لن نحزن كثيراً إذا انقرضوا، لأنهم صاروا بالفعل، عبر هذا الإنسجان الذاتي، عبئاً على الحضارة - دونهم يمكن للحضارة أن تصبح أكثر جمالاً وتحرّراً وفراشية: من لا يصدّق ذلك، ما عليه إلا أن يفتح خارطة العالم ويتفحّص هوية أماكن الاضطراب والإرهاب والحروب المعيقة لتقدّم البشرية وتحضّرها.

هل هي صحوة؟

بثقة حاخامية مريعة، يجلس الباحث الإسلامي في محطة تلفزيونية نفطية ليبث أساطير غبية على مسامع شعب يضع أقدامه في القرن الحادي والعشرين ورأسه في القرن السابع ، تحمل عناوين براقة زائفة من نمط:
«تاريخنا المجيد»، «حضارتنا العظيمة»، «خلفاؤنا الفاتحون»، «قادتنا الرحيمون» ، «شيوخنا الأجلاء» ، «أجدادنا الأتقياء»...!

وحتى لا يتبرّع أحدهم للاصطياد في الماء «الأعكر»؛ نقول: نحن - كسوريين - نؤمن بأننا «كنّا» (- وكان فعل مضى حتى الموت-) نمتلك ماضياً حضارياً عظيماً، لكن الغزو العربي - الإسلامي «تحديداً»، حطّم ذلك كلّه حتى السحق بحيث يبدو من المستحيل بناء أي شكل جديد للحضارة.

مثال:

إذا قارنا، كسوريين، بين شكلي حكم عرفتهما سوريا، واحد قبل الإسلام، هو الإمبراطورية الزنوبية، وآخر بعده، هو الخلافة الأموية، لوصلنا إلى النتائج التالية:

كانت زنوبيا « حاكمة » وطنية - حضارية بالمعنى الكامل للكلمة : أشادت عاصمة أسطورية عجزت عن إزالتها كلّ عوامل البغي والتصحّر؛ كوّنت جيشاً كاد أن يسحق روما بعظمتها وسطوتها؛ حاربت أعداءها القوميين ببسالة لا تضاهى، واختارت الموت واقفة على الاستسلام .

والأهم من هذا وذاك أن زنوبيا هذه كانت مفكّرة قومية من طراز رفيع: فقد جاءت ببولس السميساطي، بطريرك أنطاكية آنذاك، إلى بلاطها، كي يخلق لها مسيحية سوريّة؛ واستدعت الفيلسوف لونجينوس الحمصي، كي يضع لها الأسس لفلسفة سوريّة. - وانتهى الاثنان بانتهاء الملكة الأعظم: فماذا خلّف لنا بنو أمية؟.

كانت سوريّا، قبل الغزو العربي الإسلامي، أغنى دول العالم ربما بالحركية الفكرية و الحضارية والعمرانية وكان أفضل تعبير عن تلك الحركية الدينية هو ذاك التنافس الفاعل بين المذاهب (التيارات الفكرية) الدينية. وإذا ما استشهدنا بالمسيحيين فقط لاكتشفنا ببساطة حقيقة أن غالبية تياراتهم المتنافسة آنذاك كانت سورية الأصل أو الأيديولوجيين. فالتيار المونوفيزيتي ترسّخ عملياً بفعل جهود راهب سوري اسمه يعقوب البرادعي؛ التيار المونوتيلتي أسّسه الموارنة السوريون؛ النسطورية جاءت من نسطوريوس السوري؛ آريوس كان تلميذ لوقيانوس الأنطاكي السوري الشهيد؛ ولا حاجة بنا لذكر التيار الخلقيدوني السوري، لأن مفكّريه كانوا أكثر من أن يعدّوا: هل تكفي الإشارة إلى ثيودوروس القورشي؟

هذا كلّه، كلّه، انتهى بضربة واحدة من الغزو العربي - الإسلامي، وأضحت الحضارة السورية محصورة في بضع أديرة وبلدات، معزولة، متعبة.

ملاحظة سريعة:
لقد حاربت زنوبيا من أجل استقلال الوطن عن روما : فما هي المعارك المفصلية التي خاض الأمويون غمارها؟


أهي موقعة الحَرّة التي يتكتم عنها الكثيرون و التي جرت في المدينة « المنوّرة »، و التي قُتل فيها خيرة الصحابة والتابعين، وتحوّلت بعدها عاصمة النبي من منبع للفقه إلى سوق نخاسة يصدّر القيان والسذّج إلى دمشق عاصمة الأمويين!
أم كربلاء التي قُتل فيها أولاد عليّ بن أبي طالب، وسيقت نساء بني هاشم وحُملت رؤوس رجالهم من العراق إلى دمشق حيث أمير مؤمني عصره! مكّة التي قُتل فيها عبد الله بن الزبير وصُلب ميتاً حتى كاد أن يُبلى... الخ!

ماتت زنوبيا دفاعاً عن وطنها كأرزة واقفة: فكيف مات أمراء المؤمنين؟؟؟

خلفاء بني أمية؟ باستثناء معاوية الداهية الذي أوصله حرصه وخوفه من ميتة كميتة علي بن أبي طالب إلى الموت على فراشه كما يموت البعير، فقد مات خلفاء بني أمية عموماً بطريقة تذكّرنا بموت أبطال روايات كافكا (غريغور سامسا بطل الـVrewandlung مثلاً) أو مسرح اللامعقول!

-فإحدى روايات موت أمير المؤمنين يزيد بن معاوية تقول إنّه مات بعد أن عضّه قرد سكران في زلعومه، وكان القرد آنذاك سمير أمير المؤمنين في جلسات أنسه.
- معاوية بن يزيد سمّه أولاد عمه بعد أن تخلّى عن الخلافة المغتصبة بإرادته؛ مروان ابن الحكم خنقته زوجته - أرملة يزيد - وجواريها بعد أن شتم ابنها من يزيد علناً، بقوله: يا ابن رطبة الإست(!!!!) .
- عمر بن عبد العزيز سمّه أولاد عمومته .
- هشام بن عبد الملك مات قرب إحدى القيان التي ماتت قبله، وكانا يسكران معاً، فأخرج الجثّة من القبر بعد دفنها وظلّ بجانبها حتى فارق الحياة .
- الوليد بن يزيد قتله أخوته وأولاد عمومته.
- مروان بن محمد قتله العباسيون وقطعوا رأسه، فأكل منه سنور شيئاً... الخ!!!

بقي أن نذكر أنّ أشهر ما ينسب للأمويين من الأوابد الحضارية في دمشق، الجامع الأموي، ليس من صنعهم. كان كنيسة مسيحية (قبل ذلك كان معبداً وثنياً) تحمل اسم يوحنا المعمدان، فسرقوها وحولوها جامعاً لهم.

ملاحظة:
العباسيون، الذين لا يقلّون تحضّراً عن أخوتهم من بني أميّة، حوّلوا ذلك الجامع، حين دخلوا دمشق، إلى اسطبل لحيواناتهم!


هل هي صحوة؟

يحمل الإسلاميون سيف فهمهم الدموي للشريعة حيثما يحلون، يريدون أن يهووا به على كلّ رأس يفكّر بغير طريقتهم المحنطة. - لماذا؟ لأنهم يعتقدون أنّ ما يعتقدون به من مصدر إلهي: ومن ذا البشري الذي يستطيع معارضة الإلهي؟! لكن هل يكفي الاعتقاد بحقيقة شيء حتى يصبح هذا الشيء حقيقياً؟ لا! الاعتقاد بأن شيئاً حقيقي وكون شيء حقيقياً بالفعل مسألتان غير متطابقتين على الدوام! من هنا، فنحن نعتقد أنه لا مانع أن يطبّق المرء على ذاته ما يعتقد أنه من مصدر إلهي، لكننا سنمانع بشدّة سعيه لتطبيق ذلك على غيره، خاصة إذا كان يفتقد الأدلّة الحسية على صحّة اعتقاده!
بالمقابل، فنحن نمتلك أدلّة كثيرة أن رموز الإسلام الأوّلي، كعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعائشة بنت أبي بكر، خالفت الشريعة على نحو فاضح!

ونحن « نعتقد » أنهم لو كانوا « يعتقدون » بمطلقيّة تطبيقها لما خالفوها !
أمّا دليلنا الخارجي، فيقول: إنّ الجانب التشريعي في الدين المقارن يظهر أن قواعد ونظم استنباط مثيرة في الشريعة الإسلامية مأخوذة بالكامل تقريباً عن أختها الكبرى، الهالاخا اليهودية.

مستقبل العقل... والإنسان!

لا يمكن لهذا الوضع أن يدوم ، وسينتهي مع انتهاء النفط وسيطرة البدو على العقل في المنطقة. وستجتاح العولمة رغم كل شيء، شبكات العناكب نصف المهترئة، ولن يستطيع سيف قديم ملطخ بآثار الدماء منع التقنيات الحديثة عن نقل ما تشاء من أفكار إلى تلك العقول المحنّطة! - فما هي صورتنا للإسلام، إذا تسلّلت كل تلك المحظورات إلى دواخلنا، دون خوف أو وجل؟

مما لا شك فيه أنّنا، حين نتكلم عن الإسلام، فنحن نعني بذلك طبعاً الإسلام التكفيري، المقولب، الذي أقفل في وجه ذاته كلّ أبواب اجتهاده ( - اعتقل عقله بذاته - ) منذ أيام الخليفة الأسوأ سمعة، المتوكل على الله العباسي! الإسلام التكفيري، دون مواربة أو مداورة، يحمل في داخله جرثومة مقتله. وإذا كانت السيوف حمت هذا التيار الإسلامي الأعرض - للأسف - من أن ينقرض بفعل احتكاكه مع التيارات الأخرى، إسلامية كانت أم غير إسلامية، فإن انتهاء مفعول السيوف ( - لم تعد تستعمل إلاّ في الرقص الشعبي - ) وتهاوي المصادرات أمام العولمة، سيجعل من الإسلام التكفيري أحد المذاهب التي ستنقرض حتماً في القرن القادم، مع أخته الكبرى، اليهودية الأرثوذكسية.

ولا نشك للحظة أن عموم السنّة التكفيريين سينتهون إمّا إلى تيّار إسلامي آخر أو كعلمانيين أو إلحاديين. قد تظلّ هنالك جزر تكفيريّة إسلاميّة معزولة في هذا المكان أو ذاك؛ لكن تلك المناطق ستكون محدّدة بأفراد معاقين فيزيولوجياً عن صيرورة التفكير؛ وهكذا تتّحد الإعاقة الفيزيولوجية بالإعاقة الدوغماتية ليتولّد بالتالي أصلب العقائد سكونية فكرياً وأعصاها على الصيرورة حركياً.

ودون مجاملة أو تغيّر في المواقف، فإننا نلحظ عند كثير من أهل السنّة والجماعة ميلاً للخروج من عنق زجاجة التكفيريين، الذين أساءوا للعرب وللإسلام، رغم أن رموز الانفتاح عند هؤلاء تتعرّض لحملة تشنيع لا سابق لها في سوريّا...!


.

ليست هناك تعليقات: