الأحد، 6 أبريل، 2008

الخوف على الإسلام - نضال نعيسة

الخوف على الإسلام

نضال نعيسة

ايلاف- الأحد 6 أبريل



أعتقد أن هناك رعباً وخوفاَ على الإسلام من المسلمين أنفسهم، وليس منه، أو من غيرهم. خوف من نزع الحجاب، وخوف من تنصير مسلم، وخوف ترك الصلاة، ومن شرب الخمر، ومن الاختلاط، وخوف من حرية الفكر والاعتقاد ومن الآخر المختلف، خوف عام ومؤرق على الإسلام.
إذ ليس هناك ثمة إسلاموفوبيا كما يردد الخطاب الرسمي العربي، ودعاته المشعوذون، الخائفون أن يفقدوا أعمالهم، ومصدر رزقهم وتكسبهم، فيما لو توقف هذا السعار الديني المرعب. والإسلاموفوبيا تعريفاً، وفي قاموس المتأسلمين، هو خوف غير المسلمين من انتشار الإسلام ومظاهره وانبعاثه وسيطرته على العالم. وإذا سلمنا بوجود إسلاموفوبيا أو خوف من الإسلام، ألا يجدر بالمسلمين أن يسألوا أنفسهم لماذا هذا الخوف من الإسلام وليس من المسيحية واليهودية أو البوذية وغيرها مثلاً؟

العصاب الديني المستفحل يظهر بأشكال متعددة في مجتمعاتنا، ويتم التأكيد عليه بمناسبة وغير مناسبة. فشعوب الغرب عامة، أظهرت وفي أكثر من مرة، قدراً كبيراً من التسامح الديني والتعايش مع كل الأفكار والمعتقدات ومهما بدت غريبة وشاذة عن المألوف والمتعارف عليه أو الـCommon Sense.
ودساتيرهم العلمانية، التي دفعوا من أجلها مقاصلاً ودماً، تكفل حرية العبادة والاعتقاد وتتكيف مع التطور الإنساني العام، على عكس الدساتير الجامدة التي لا تتزحزح ولا تتبدل في البلدان الإسلامية، التي تؤكد على أن القوانين كلها مستمدة وتعمل وفق الشريعة الإسلامية وتشير إلى دين الدولة الرسمي ولا تقبل سواه ديناً لرعاياها المؤمنين وتحارب بالسيف وحد الردة كل من يقول عكس ذلك. وما ينعم به المسلم في الغرب من رفاه وغنج ودلال لا ينعم به في أشد المجتمعات الإسلامية تشدداً وتزمتاً ولا ينبئ بوجود إسلاموفوبيا لدى الغربيين. وأن خرافة الإسلاموفوبيا هو فقط مجرد خزعبلة أخرى، وتهويمة من تلك الكثيرة التي تدور في أذهان بعض الغلاة والمتشددين. وإذا كان هناك ثمة خوف مجهول وفوبيا حقيقية ما، فهي موجودة على الإسلام، وعند المسلمين أنفسهم، وليس من غيرهم على الإطلاق. وإلا لماذا كل ذاك الضخ العقائدي المحموم، وهذه الميزانيات الخرافية، والفضائيات اليناصورية، والتحذيرات التكفيرية لجعل الناس يتمسكون بدينهم والخوف عليهم من الردة، ولماذا يطبقون حديث " من بدل دينه فاقتلوه"، إذا كان لا خوف عليهم ولا يحزنون؟ ولماذا قابلوا مثلاً عملية تنصير مجدي علام، نائب رئيس تحرير صحيفة كورييرا دي لا سييرا الإيطالية الأشهر، بذاك الكم من الاستهجان والاستنكار وكأن الإسلام قد تعرض لنكسة وهزيمة كبرى، وأستغفر الله الواحد الأحد على كل حال؟ أليس هذا نوع من الفوبيا لدى المسلمين، وليس أي شكل من أشكال الإسلاموفوبيا؟

وإذا كانت هناك رغبة كامنة وقوية، للتبشير بالدعوة خارج نطاق المجتمعات الإسلامية، فإنه لمن المثير للعجب ملاحظة تلك المساعي والجهود الحثيثة للجهاد لنشر الدعوة الإسلامية في بلدان دانت ورضخت للإسلام منذ ألف وأربعمائة عام بكل طواعية ورغبة وهداية ربانية يحسدون عليها، كما يرطن الفقهاء. وإذا كان هناك من حاجة لرصد الأموال والدولارات الأمريكية والجنيهات الإسترلينية للتبشير بالدعوة الإسلامية في بلاد الكفار، والعياذ بالله، فإنه لا حاجة بها في مجتمعات تدين وتتمسك بالإسلام، وإنه لمن الأولى أن تخصص تلك الأموال للتعليم والتنمية والصحة ومكافحة الجوع وثورات الرغيف التي بدأت تجتاح العالم الإسلامي بطوله وعرضه، ولا حاجة للأسلمة على افتراض أن الشعوب في هذه الدول "الإسلامية" مفطورة على الإسلام ومؤمنة بالله وكتبه ورسله وملائكته، وليس ثمة من داع لبذل جهود مضنية لزعزعتها، وأن في ذلك نوعاً من الإساءة لتاريخها الإيماني بدين الله ودينه القويم والتشكيك، وعدم الوثوق فيه. وأن الطفلة ابنة الست سنوات يتم تحجيبها، ويضرب الصغار للصلاة، كما في الحديث، ويجبر الناس للدخول إلى المساجد بالهراوات، ويمنع الاختلاط...إلخ، ودروس التربية الدينية في المدارس، وإرشاد وزارات الأوقاف، وبرامج التلفزيون الرسمي، تتكفل بأن تخرج الأطفال مسلمين خالصين، وتحشو أدمغتهم بالتعاليم الإسلامية منذ نعومة أظفارهم. وإذا كان كل هذا التشدد في تطبيق حدود الردة وإلزام الناس بإتباع السلوك الإسلامي الصارم لم ينفع خلال أربعة عشر قرناً، وفي الدول الإسلامية ذاتها، فكيف سيستطيعون ضبط سلوك جميع المسلمين الآخرين ومنعهم من الردة، وفي جميع دول العالم بعد أن يفتحوا روما ويدخل ناسها في الدين الحنيف حسب نبوءات وأحلام رجال الدين؟

ويبدو الأمر مقلقاً أكثر حين نرى جيوش الدعاة وهم ينكدون على البسطاء أمسياتهم الهادئة وهم يرغون ويزبدون بمعضلات دينية أكل الدهر عليها وشرب، وصارت معروفة محفوظة وممجوجة وفاقدة لأي اهتمام من قبل الجمهور الغيور على دينه. وكأن هذه المسائل الفقهية عصية على الفهم، أو أن هذه الشعوب لم تستطع أن تتفهم شريعتها رغم مضي ألف وأربعمائة عام عليها. ألم نفهم بعد تلك العادات السلوكية الإسلامية البسيطة ونقدر على إتقانها خلال ألف وأربعمائة عام من جهد وعمل الدعاة؟ ألا يضع هذا وظيفة ومسؤولية ووجود هؤلاء الدعاة برمته ونجاحهم في عملهم موضع شك ومساءلة ومراجعة؟ هل هناك خلل ما وفي مفصل ما؟ ألا يعرف المثل والبوذي والهندوسي والزرداشتي وعبدة القرود والشياطين والنار وحتى البهائم والحيوانات على السواء، مثلاً، بأن الجماع في العادة الشهرية والحيض والنفاس أمر غير مقبول ومثير للاشمئزاز؟
ولماذا لا يستطيع هذا الإنسان، بالذات، التحكم بغرائزه التي تبدو متوحشة إلى درجة حيوانية منفلتة من عقالها؟ وأن الاستنجاء بالحجر أو بغيره والطهارة والنظافة العامة قبل الطعام والعبادات وبدونها، وحلق الشعر الزائد في جسم الإنسان، هو من البديهيات التي لا تحتاج لكل هذا العناء ويتفق عليها حتى سكان الأدغال الذين لم يصلهم أي دين من الأديان؟

لماذا إذن هذا الخوف العصابي على الدين، من المسلمين أنفسهم، إذا كان هو الدين عند الله؟ ولماذا تقريع الناس به صباح مساء، بمناسبة وبدون مناسبة، إذا كنا جميعاً مسلمين ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله وعبده، ونحفظ من آيات وسور القرآن أكثر مما نحفظ من القوانين العلمية الفيزيائية والإرشادات الطبية الحديثة، ونعرف من أحاديث البخاري وفتاوي ابن تيمية وابن قيم الجوزية أكثر مما نعرف عن قوانين المرور ومواثيق حقوق الإنسان ونواميس الطبيعة والحياة؟ ألا ينبغي هنا على الدعاة أن يضعوا أيديهم وأرجلهم بماء باردة، كما يقول المثل العامي، ويرتاحوا ويريحوا، ويركنوا إلى الهدوء والسكينة والطمأنينة لأن الله سبحانه وتعالى قد بشرهم وقال لهم إن الدين عند الله الإسلام، ولن يقبل غيره، وذكر لهم في محكم كتابه الصريح، ومن ألف وأربعمائة عام، وقبل الطفرة البترولية، إياها، بأن الدين قد تم واكتمل وأن الله قد رضاه لجميع عباده من المسلمين، ولم يعد من ثمة حاجة لابن لادن ولا للظواهري والملا عمر أو الإخوان ولا الطالبان وكتائب النفير والجهاد منظمة المؤتمر الإسلامي بعد ذاك اليوم. فهو العلي العظيم الخالق لكل شيء سبحانه وتعالي وهو الحافظ الوحيد للذكر، ولتصبح عندها كل تلك مؤسسات الإسلامية أمراً فائضاً عن الحاجة ولا لزوم لها. الله وحده، وحسب كتابه العزيز هو الذي سيحفظ كتابه وليس القرضاوي أو الفيشاوي، ولا حتى أي من شيوخ الأزهر الذين صارت مهمتهم نبش ما في التراث من فكاهات وقفشات كإرضاع الكبير، وتقديمها للمؤمنين على أنها تراث إسلامي أو أي من دعاة البزنس من لوردات المال البترولي والجعير الفضائي، والذين صارت أسماؤهم تتصدر مجلات الأغنياء والمشاهير الـ Celebrities جنباً إلى جنب
مع صور النصارى واليهود والعياذ بالله.

فمن يخاف ممن؟



نضال نعيسة

ليست هناك تعليقات: