الاثنين، 31 مارس، 2008

في أوغندا درس مسيحي في التسامح الديني

في أوغندا درس مسيحي في التسامح الديني

بقلم جوزيف بشارة - عن ايلاف

الدرس الذي يتحدث عنه عنوان المقالة قادم من قلب القارة الأفريقية حيث طالب زعماء زعماء الكنيسة في أوغندا المسيحيين بأن يغفروا للرئيس الليبي معمر القذافي تهجمه على المسيحية والكتاب المقدس أثناء افتتاحه لمسجد ساهم في إنشائه بالعاصمة الأوغندية كامبالا. ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية عن أسقف كامبالا سيبريان لوانجا دعوته المسيحيين الأوغنديين إلى نسيان هجوم القذافي على المسيحية ومطالبتهم بمسامحته كما سامح السيد المسيح أولئك الذين صلبوه. ومن جهته دعا الأسقف بول سمويجيري المسيحيين الى المغفرة للقذافي والتسامح مع الجالية المسلمة التي نأت بنفسها عن تصريحات القذافي. واكتفى الأسقف صموئيل سكيدي بدعوة الحكومة الأوغندية إلى التدخل حفاظاً على روح الانسجام السائدة بين المسيحيين والمسلمين بمنع الزوار الأجانب من الادلاء بأي تصريحات من شأنها الاساءة للعلاقات بين الأديان.
وكان الرئيس الليبي معمر القذافي قد عاود ممارسة هوايته في تصدير التطرف للقارة الأفريقية عبر التعدي على المسيحية وكتابها المقدس أثناء افتتاحه لمسجد إسلامي في العاصمة الأوغندية كامبالا الأسبوع الماضي بمناسبة ذكرى مولد رسول الإسلام. وقال القذافي في خطاب ألقاه أمام عشرات ألألاف من المسلمين بحضور عدد من الرؤساء الأفارقة أن الكتاب المقدس المتداول الأن بعهديه القديم والجديد مزور ولا يعتد به لأنه لا يحتوي على نصوص تنبأت بمحيء رسول الإسلام ادعى القذافي أن البعض قام بشطبها منه، وأن القرآن هو الكتاب الوحيد المنٌزل من الله لأنه تحدث عن اليهودية والمسيحية. ونعت القذافي غير المسلمين بالكفر مؤكداً على أن "الدين عند الله الإسلام" وأن "من يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يْقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين."
لا أريد الخوض في مزاعم القذافي من منظور ديني أو عقائدي، لان هناك من هم أجدر مني على تناول القضية من هذه الزاوية. ولكن ما يشغلني هنا هو نظر الأمر من منظور إنساني وحقوقي. لم يكن الأمر ليتطلب مني الكتابة لو أن العالم الإسلامي يسمح بطريق ذي اتجاهين للحريات. كما أن القضية ما كانت تقبل التعليق لو كان القذافي باحثاً استنتج عن طريق المعطيات والدلائل العلمية قيام البعض بتزوير الكتاب المقدس. فقد خضع الكتاب المقدس دون غيره من الكتب الدينية لفحوصات واختبارات علمية قام بها باحثون مرموقون من غير المسيحيين من دون أن يتعرض لهم أحد. ولكن الأمر يختلف حين يتعرض المسيحي في مجتمعه لكافة انواع التشكيك في عقيدته دون منحه حق الاعتراض أو النقاش، وكذا حين يقوم الجهلة وأنصاف المتعلمين والمخرفون والباحثون عن الشهرة بتجريح مقدسات الأخرين دون أسانيد علمية.
الغريب أن تعدي القذافي على المسيحية والكتاب المقدس جاء هذه المرة أمام عدد من الرؤساء الأفارقة المسيحيين من بينهم الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني الذي تبلغ نسبة المسيحيين في بلده ما يزيد عن الـ 84% من عدد السكان، ولا تزيد نسبة المسلمين فيه عن الـ 12% بحسب تعداد عام 2002 الذي نقلته موسوعة الويكيبيديا. وقد جاء تعدي القذافي على المسيحية وكتابها المقدس الذي يعد المرجع الأول في تعليم المحبة والتسامح في الوقت الذي يشتعل فيه العالم الإسلامي بالمظاهرات والاحتجاجات على إعادة صحف أوروبية نشر الرسوم الكاريكاتيرية التي صورت رسول الإسلام بشكل اعتبره المسلمون مسيئاً لعقيدتهم. بل وبلغ الامر بأسامة بن لادن بدعوة المسلمين حول العالم بالهجوم على ما أسماه بمصالح الصليبيين والصهاينة نصرة للرسول.
كما جاء هجوم القذافي على المسيحية في الوقت الذي تطالب فيه الدول الإسلامية بسن قانون دولي يحظر نقد أو إهانة الأديان. وقد فوض مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي الذي انعقد مؤخراً في العاصمة السنغالية داكار الأمين العام للمنظمة بتشكيل فريق خبراء لوضع وثيقة دولية ملزمة قانوناً لتحقيق الاحترام لجميع الأديان والقيم القافية ومنع التمييز والتحريض على كراهية أتباع الديانات جميعها. كما أكد المؤتمر دعمه لمبادرة العاهل المغربي محمد السادس الرامية إلى وضع ميثاق دولي يحدد ضوابط وقواعد الملاءمة بين ممارسة حق التعبير والرأي وواجب احترام الرموز والمقدسات الدينية والقيم والمعتقدات الروحية.
لا يبدو أن منظمة المؤتمر الإسلامي جادة في سعيها لوقف التعدي على الأديان، وإلا لما تجرأ أحد أبرز قادتها وهو الرئيس الليبي معمر القذافي بمثل هذا الهجوم القبيح على المسيحية. ولو كانت المنظمة مخلصة في هدفها لانتقدت علناً موقف القذافي من المسيحية ولعلقت عضوية ليبيا بها لحين اعتذارها رسمياً عن تصريحات رئيسها. لذا فمن المعتقد أن منظمة المؤتمر الإسلامي تتخذ من الوثيقة الملزمة المزمع المطالبة بسنها قنطرة لإجبار الغرب على التوقف عن نقد الإسلام ولكن دون التزام متبادل من جانب العالم الإسلامي بوقف نقد العقائد الأخرى وعلى رأسها المسيحية.
يأتي موقف منظمة المؤتمر الإسلامي هنا اتساقاً مع المعايير المزدوجية التي يطبقها العالم الإسلامي في التعامل مع أديان وعقائد الأخرين. فمن ناحية لا تزال النقاشات تدور بين علماء المسلمين حول ما إذا كانت وثيقة حظر نقد الأديان تشمل الأديان غير التوحيدية أم انها تقتصر على اليهودية والمسيحية والإسلام فقط، وكأن أتباع الهندوسية والبوذية وغيرها غير جديرين بالاحترام. ومن ناحية أخرى فلا تزال الأقليات غير المسلمة في دول العالم الإسلامي تعاني وطأة القبضة الإسلامية الفولاذية الخانقة على عنق الحريات العامة وعلى رأسها حرية العقيدة.
أعلم أن الكثيرين من المسلمين يرفضون تماماً نقد موقفهم السلبي من حرية العقيدة ومن التعاضي مع معاناة المسيحيين في العالم الإسلامي. ولكن دعونا نتناول القضية بعقلانية ومنطقية واعتدال من خلال النقاط الآتية التي تتعلق بالموقف الغريب للرئيس القذافي في أوغندا:
أولاً: ذهب القذافي إلى دولة تقطنها أغلبية ساحقة من المسيحيين. لم يكتف القذافي بافتتاح المسجد الذي تكرمت أوغندا بالموافقة على بنائه، ولكنه قام بإهانة عقيدة الأغلبية الأوغندية، فهل يقبل مسلمو السعودية أو مصر أو باكستان أو أندونيسيا بضيف على بلادهم يسيء إلى عقيدتهم؟
ثانياً: قام العقيد القذافي بافتتاح أكبر مسجد في أفريقيا في بلد مسيحي من دون أن تدنو من مسامعنا أية اعتراضات شعبية على بناء المسجد الضخم. فهل يقبل المسلمون إقامة كنائس بثل هذا الحجم في بلادهم؟ فقد ارتفعت صيحات استهجان عديدة لافتتاح كنيسة قطر رغم أنه تم بناؤها كمجمع دون صلبان أو أجراس أو منارات، بالمثل صدرت أصوات غاضبة لمجرد طرح فكرة بناء كنيسة في السعودية.
ثالثاً: يعد خطاب الرئيس الليبي أثناء افتتاح مسجد باوغندا عمل من أعمال الدعوة الإسلامية المباشرة في بلد مسيحي. فلماذا لا يقبل المسلمون التبشير بالمسيحية في أوطانهم؟ أليس في ذلك ازدواجية في المعايير؟
رابعاً: ضرب المسيحيون في أوغندا نموذجاً رائعاً في التسامح مع الأخر رغم الإهانة التي تعرضت لها عقيدتهم. فلم يقم أحد منهم بالهجوم على مسجد أو بتفجير قنبلة في تجمع إسلامي أو بحرق ممتلكات للأقلية المسلمة، وهي الأمور التي تتعرض لها الأقليات المسيحية المسالمة في العالم الإسلامي. كما سجل الزعماء الدينيون المسيحيون أسماءهم بأحرف من نور في سجلات التسامح الديني عندما لم يستثيروا شعوبهم للانتقام من الأقلية المسلمة في أوغندا، وهي أمور التهييج التي يقوم بها الكثيرون من مشايخ المسلمين في العالم الإسلامي حالياً للرد على الرسوم الكاريكاتيرية الشهيرة. فهل يتعلم كل هؤلاء وأولئك من الدرس العملي الجميل الذي قدمه الأوغنديون في التسامح الديني؟

-

ليست هناك تعليقات: